عثمان بن جني ( ابن جني )

253

الخصائص

قيل : لمّا جاءت لمعنى ضارعت بذلك حروف المضارعة فقدّمت ، وجعل ذلك عوضا من غلبة زيادة الفعل على أوّل الجزء ؛ كما جعل قلب الياء واوا في التقوى والبقوى عوضا من كثرة دخول الواو على الياء . وعلى الجملة فالاسم أحمل للزيادة في آخره من الفعل ، وذلك لقوّة الاسم وخفّته ، فاحتمل سحب الزيادة من آخره . والفعل - لضعفه وثقله - لا يتحامل بما يتحامل به الاسم من ذلك لقوّته . ويدلّك على ثقل الزيادة في آخر الكلمة أنك لا تجد في ذوات الخمسة ما زيد فيه من آخره إلا الألف لخفّتها ؛ وذلك قبعثرى " 1 " ، وضبغطرى " 2 " ، وإنما ذلك لطول ذوات الخمسة ، فلا ينتهى إلى آخرها إلا وقد ملّت لطولها . فلم يجمعوا على آخرها تماديه وتحميله الزيادة عليه . فإنما زيادتها في حشوها ؛ نحو عضرفوط " 3 " ، وقرطبوس " 4 " ، ويستعور " 5 " ، وصهصليق " 6 " ، وجعفليق " 7 " ، وعندليب ، وحنبريت " 8 " . وذلك أنهم لمّا أرادوا ألا يخلوا ذوات الخمسة من الزيادة ، كما لم يخلوا منها الأصلين اللذين قبلها حشوا بالزيادة تقديما لها ؛ كراهية أن ينتهى إلى آخر الكلمة على طولها ، ثم يتجشّموا حينئذ زيادة هناك فيثقل أمرها ، ويتشنّع عليهم تحمّلها . فقد رأيت - بما أوردناه - غلبة المعنى للّفظ ، وكون اللفظ خادما له ، مشيدا به ، وأنه إنما جيء به له ، ومن أجله . وأمّا غير هذا الطريق : من الحمل على المعنى وترك اللفظ - كتذكير المؤنّث ، وتأنيث المذكّر ، وإضمار الفاعل لدلالة المعنى عليه ، وإضمار المصدر لدلالة الفعل عليه ، وحذف الحروف ، والأجزاء التوامّ ، والجمل ، وغير ذلك حملا عليه وتصوّرا له ، وغير ذلك مما يطول ذكره ، ويملّ أيسره - فأمر مستقرّ ، ومذهب غير مستنكر .

--> ( 1 ) قبعثرى : الجمل الضخم . ( 2 ) ضبغطرى : هو الأحمق . ( 3 ) العضرفوط : دويبة بيضاء ناعمة . ويقال : ذكر العظاء . اللسان ( عضرفط ) . ( 4 ) القرطبوس بفتح القاف : الداهية . اللسان ( قرطبس ) . ( 5 ) اليستعور : شجر تصنع منه المساويك . وقيل : موضع . اللسان ( يستعر ) . ( 6 ) صهصليق : شديدة الصوت صخّابة ، ومنهم من قيد فقال : العجوز الصخابة . اللسان ( صهصلق ) . ( 7 ) الجعفليق : العظيمة من النساء . اللسان ( جعفلق ) . ( 8 ) كذب حنبريت : خالص ، وكذلك ماء حنبريت اللسان ( حنبرت ) .